نُصبٌ رقميٌّ للذاكرة، للضحايا، وللفخر الذي لا يموت
A memorial — for the victims, for us. We walk through it from every oppression toward every pride.
في الحادي عشر من مايو 2001، داهمت قوات الأمن المصرية مركب "كوين بوت" الراسي على ضفاف النيل في القاهرة، واعتُقل اثنان وخمسون رجلًا بتهمة "الفجور". وُضِعت رؤوسهم في أكياسٍ بيضاء أمام الكاميرات. كانت محاولةً لمحو وجوههم، لمحو وجودهم.
ولكن الذاكرة أعنَدُ من السجن، والفخر أبعَدُ من النهر.
هذا المركب لم يَرسُ. هذا المركب يُبحر — في كل قلبٍ كويري في وادي النيل، إلى اليوم.
«اكتبوا اسمي. اكتبوه بالأحمر، بالأخضر، بأي لون. لكن اكتبوه.»
ربع قرنٍ من حادثة كوين بوت إلى اليوم — سجلٌّ موثَّق لحوادث القمع الموجَّه ضد مجتمعات الميم في مصر والسودان. لا يكتمل، لأن القائمة لا تكتمل.
لا يوجد في القانون المصري نصٌّ صريح يُجرِّم المثلية الجنسية — لكن الدولة تلاحق الكويريين/ات منذ عقودٍ عبر القانون ١٠ لسنة ١٩٦١ «بشأن مكافحة الدعارة»، الذي صيغ أصلًا لمكافحة الاتجار بالجنس. تُحوِّل النيابة تهمة «الفجور» (الفصل الثالث) إلى سلاحٍ مطّاطٍ يُطبَّق على العلاقات المثلية بين بالغين بالتراضي، رغم أن القانون لم يُذكر فيه ذلك أبدًا.
جذور هذا المنطق تعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية: مفاهيم «الآداب العامة» و«خدش الحياء» التي زُرِعت في القوانين العربية خلال القرن التاسع عشر والعشرين، استوردت معها رؤيةً فيكتوريةً للجسد والأخلاق. ما يُقدَّم اليوم بوصفه دفاعًا عن «القيم الأصيلة» هو في حقيقته إرثٌ مستعمِرٌ أُعيد تدويره — أداةُ ضبطٍ اجتماعيٍّ ورثتها الدولة الوطنية ولم تتخلَّ عنها.
داهمت الشرطة المصرية الملهى العائم «كوين بوت» الراسي على النيل، واعتُقل ٥٢ رجلًا بتهمة «الفجور الاعتيادي» و«ازدراء الأديان». تعرَّض المعتقلون لكشوفٍ شرجيةٍ قسرية وصفها الأمم المتحدة لاحقًا بالتعذيب، ونشرت الصحف القومية أسماءهم وصورهم — فدمَّرت حياة عائلاتهم قبل أيٍّ من المحاكمات. أصبحت القضية اللحظة التأسيسية لحركة حقوق الميم في العالم العربي.
بعد انتشار مقطع فيديو يُزعَم أنه يوثِّق احتفال زواجٍ بين رجلين على مركب نيلي، اعتُقل ثمانية رجال وصدر بحقهم حكمٌ بثلاث سنواتٍ سجنًا بتهمة «إثارة الفجور» و«انتهاك الآداب العامة». تعرَّضوا لكشوفٍ طبيةٍ قسرية، وأكَّدت القضية كيف يمكن لجسدٍ واحدٍ في مقطعٍ مُسرَّب أن يصبح مادةً قانونية.
بناءً على بلاغٍ من المذيعة منى عراقي التي رافقت الشرطة وصوَّرت الاقتحام بنفسها، اعتُقل ٢٦ رجلًا من حمَّام باب البحر في حيّ رمسيس. سِيقوا أنصاف عُراةٍ أمام الكاميرات، وتعرَّضوا لكشوفٍ شرجيةٍ قسرية، وعُرضت وجوههم على شاشة التلفزيون الحكومي قبل أن تبدأ المحاكمة. في يناير ٢٠١٥ صدر حكمٌ نادرٌ بالبراءة لجميع المتهمين، لكن الفضيحة العلنية كانت قد دمَّرت حياة كثيرين منهم — أحدهم حاول الانتحار لاحقًا.
خلال حفل فرقة مشروع ليلى اللبنانية في القاهرة، رفع عددٌ من الحاضرين أعلام قوس قزح في لحظة فرحٍ نادرة. انتشرت الصورة، فأشعلت حملةً تشهيريةً واعتقالاتٍ بالجملة طالت أكثر من ٧٠ شخصًا خلال أسابيع، بتهمٍ مطاطية كـ«الترويج للشذوذ» و«الفجور». من بين المعتقلات الناشطة سارة حجازي — أول امرأة تُعتقل على خلفية الحادثة. عُذِّبت في الحجز، ثم نُفيت إلى كندا.
في مدينة أبو حمد شمال السودان، قُتل رجلان رجمًا وضربًا على أيدي مجموعةٍ من السكان المحليين بعد اتهامهما بإقامة زواجٍ مثلي. صدر بيانٌ باسم «اتحاد شباب أبو حمد» يتوعَّد بمواجهة «أيِّ سلوكٍ غريبٍ أو ماجن» بالعنف، وصولًا إلى القتل. لم تُحرَّك ضد القتلة أيُّ ملاحقةٍ قضائية.
بعد ثلاث سنواتٍ من نفيها في كندا، إثر الاعتقال والتعذيب في حادثة العلم ٢٠١٧، أنهت سارة حجازي حياتها. تركت رسالةً: «إلى إخوتي — حاولتُ النجاة وفشلت، سامحوني. إلى أصدقائي — كانت التجربة قاسية وأنا أضعف من أن أقاوم، سامحوني. إلى العالم — كنتَ قاسيًا إلى حدٍّ بعيد، لكنّي أسامح». صارت سارة منذ تلك اللحظة رمزًا لكلِّ مَن دفع ثمن لحظةٍ واحدةٍ من البهجة العلنية في وادي النيل.
ألغت الحكومة الانتقالية السودانية عقوبة الإعدام المنصوص عليها في المادة ١٤٨ من قانون العقوبات بحقّ ممارسي الجنس المثلي، واستبدلتها بالسجن من خمس إلى سبع سنوات. الإلغاء لم يكن تحريرًا — بل إعادة تكييفٍ للعقوبة. الفعل ذاته يبقى جريمة. بعد انقلاب ٢٠٢١ والحرب في ٢٠٢٣، فقدت المجتمعات الكويرية السودانية ما تبقَّى من شبكات حمايتها.
في حُكمٍ غير مسبوق، فسَّرت المحكمة الاقتصادية بالإسكندرية المادة ٢٥ من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات — المتعلقة بـ«انتهاك مبادئ الأسرة وقيمها» — على أنها تُجرِّم المثلية الجنسية صراحة. تطبيقات المواعدة، حسابات التواصل، الصور الخاصة — كلُّها أصبحت أدلَّةً قانونية. الفضاء الذي كان ملاذًا أصبح فخًا.
في الأسبوع الأخير من أبريل ٢٠٢٦، اعتُقل ٢٦ شخصًا في حملةٍ جديدةٍ من حملات الاستهداف الممنهج لمجتمعات الميم في مصر. التهم متوقَّعة: الفجور، إثارة الفجور، انتهاك قيم الأسرة. من المقرَّر النطق بالحكم في ١٥ يونيو ٢٠٢٦ — قبل أسابيع قليلة من الذكرى الخامسة والعشرين لحادثة كوين بوت، وقبل أسابيع من ميلاد سارة حجازي. الرقم يتغيَّر، الأسماء تتغيَّر، الحلقة لا تنكسر.
هذه القضية مفتوحة. ندعو إلى المتابعة، إلى الضغط الدولي، وإلى أن لا تمرَّ بصمت.
اضغط/ي على كل دائرةٍ لقراءة ذاكرة. ذكريات مجهولة، حقيقية، لقُرّاءٍ من مصر والسودان.
اضغط/ي على دائرة لقراءة الذاكرة
اضغطي/اضغط على أي أغنية تبدأ. لما تخلص، اللي بعدها بتشتغل لوحدها.
— مَساحات
كل ذكرى تُكتب هنا، تُحفظ في الأرشيف. مجهولة بالكامل، آمنة بالكامل. اسمك ليس مطلوبًا — قصتك هي الاسم.
إيميل واحد كل فترة. كل ما تُضاف ذاكرة جديدة للأرشيف، أو يتوقد لانترن جديد على النيل — هتعرفي.